عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي

104

نزهة المجالس ومنتخب النفائس

وما حضر وما خفي وما ظهر الكل يشهد بجلالي ويقر بكمالي ويعلن بذكري ولا يغفل عن شكري . عبدي أذكرك وتنساني وأسترك ولا ترعاني لو أمرت الأرض لابتلعتك من حينها أو البحار لغرقتك في معينها ولكن أحميك بقدرتي وأمدك بقوتي وأؤخرك إلى أجل أجلته ووقت وقته فلا بد لك من الورود علي الوقوف بين يدي أعدد عليك أعمالك وأذكر أفعالك حتى إذا أيقنت بالبوار وقلت لا محالة إنك من أهل النار أوليتك غفراني ومنحتك رضواني وغفرت لك الذنوب والأوزار وقلت لا تحزن فمن أجلك سميت نفسي الغفار وأنشدوا في المعنى : أتعرض عنا والجنان فسيح * وتهرب منا إن ذا لقبيح ويبدو لنا من نحوك الصد والجفا * ومن نحونا ود لديك صحيح وندعوك للحسنى ونمنحك الرضا * وأنت لأسباب البعاد طروح وكم مرة جاءتك منا رسائل * وفيها خطاب لو سمعت فصيح فيا أيها الغصن الرطيب قوامه * وفيه لنا سر يصان وروح إليك أشرنا بالوداد فكلما * يعد قبيحا فهو منك مليح قال في عظة الألباب : أوحى اللّه تعالى إلى بعض الأنبياء يا نبيي ابسط الكرم للمذنبين وعرف سعة رحمتي للخاطئين وأردد إلى الهاربين ودل على الطالبين وقل للعصاة إني أبسط لهم بساط القبول لدي وأقربهم بأيسر الأعمال إلي فما قدر ذنوبهم في جانب مغفرتي وما عسى أن تبلغ خطاياهم مع سعة رحمتي ، فإن عظمت الذنوب أو كثرت العيوب فقطرة من سحائب كرمي لا تبقي لهم ذنبا ، ونظرة من رضاي لا تترك لهم عيبا ، يا نبيي هذا فعلي بمن أعرض عني فكيف أصنع بمن ملأ قلبه مني واستغرق أوقاته في خدمتي وانقضى عمره في معاملتي ، يا نبيي طوبى للقاصدين إلي ثم طوبى للوافدين علي نهارهم صيام وليلهم قيام وأنا مطلع عليهم في الكلام تشاهدهم ملائكتي وتشتاق إليهم جنتي قلوبهم خزائن معرفتي يحنون لمناجاتي حنين الحمام ويبكون علي بكاء الأيتام أنينهم عندي أفضل من تسبيح الملائكة بعزتي أقسمت وبجلالي حلفت لأعطينهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ، يا نبيي إلي أين يفر الآبق مني أم إلى أين يهرب العاصي عني أليس القيامة تجمعه وإلى مرجعه فأحاسبه محاسبة الديان يعلم خفيات السرائر ، وأطالبه مطالبة خبير لا يخفى عليه ما في الضمائر فبعزتي حلفت وبجلالي أقسمت لو شئت أغصصته بريقه الذي في فمه فيختنق أو أضرمت الثوب الذي على بدنه نارا فيحترق ولكن أؤخره ليوم تشخص فيه الأبصار وتنقطع فيه الأعذار . ورأيت في طهارة القلوب عن الفضيل رضي اللّه عنه أنه قال لرجل على جبل عرفات : أرأيت هؤلاء لو سألوا رجلا من الأغنياء دانقا أكان يردهم ؟ قال لا قال فإن المغفرة عند اللّه أهون من دانق عندكم ، وتقدم في باب المحبة أن الدانق ثلثا درهم . ( فائدة ) لما هبط آدم عليه الصلاة والسلام بكى على ذنبه فقال : يا رب إن تبت وأصلحت أتقبلني ؟ فأوحى اللّه تعالى إلى آدم إني كتبت على عرشي من قبل أن أخلق السماوات والأرض